ابن إدريس الحلي
51
السرائر
فلا يعدل عنها إلى المجاز ، لأنا ننظر إلى مخرج اليمين ، ويحنث صاحبها ويبر على مخرجها وحقايقها ، دون أسبابها ، ومعانيها ، ومجازاتها ، وفحوى خطابها ، ولهذا إذا حلف الإنسان لأضرب عبده ، أو لا أشتري شيئا ، فأمر بضربه أو شراء ذلك الشئ ، فإنه لا يحنث ، لأن الأيمان تتعلق بحقايق الأسماء والأفعال ، لا بمجازاتها ومعانيها . وكذا إذا حلف إنسان على إنسان آخر وقد عدد إنعامه عليه ، فقال له في جواب ذلك والله لا شربت لك ماء من عطش ، فانتفع بغير الماء وأكل الخبز ، ولبس الثياب ، لا يحنث ، لأن يمينه تعلقت بشرب الماء فحسب ، وهو الحقيقة ، وما عدا ذلك مجاز وفحوى خطاب ، ولأن الأصل براءة الذمة من الواجبات والمندوبات ، إلا ما أوجبه دليل قاطع للأعذار ، فليلحظ ذلك ويتأمل حق التأمل . إذا حلف لا يأكل البيض ، انطلق على كل بيض يزايل بايضه ، وهو بيض الدجاج ، والإوز ، والنعام ، والطيور ، ونحوها ، فأما ما عدا ذلك ، مما لا يزايل بايضه حيا ، وهو بيض الحيتان ، والجراد ، فلا يحنث بأكله ، لأن إطلاق الأيمان يتعلق بما يقصد ويفرد للأكل وحده ، دون بايضه ، هكذا ذكر شيخنا في مبسوطه ( 1 ) . والذي يقتضيه مذهبنا أنه يحنث بأكل جميع ما ينطلق عليه اسم البيض ، لأن اسم البيض يقع حقيقة على جميع ذلك ، والأيمان عندنا تتعلق بحقايق الأشياء ، ومخارج الأفعال والأسماء ، ولا ترجع إلى المعاني ، فإنما هذه تخريجات المخالفين وقياساتهم ، فإذا كان اسم البيض ينطلق على بيض السمك حقيقة ، وجب أن يتعلق الأيمان وتطلق عليه ، وطريقة الاحتياط أيضا يقتضيه . وقال شيخنا في مسائل خلافه : إذا حلف لا يأكل لحما ، فأكل قلبا ، لا يحنث ( 2 ) . والأولى أنه يحنث ، لأن اسم اللحم ينطلق عليه حقيقة ، وقد قلنا إن الأيمان تتعلق بمخارج الأسماء وحقايقها ، وإنما بعض المخالفين قال هذا ، واستدل بأنه لا يباع
--> ( 1 ) المبسوط ، ج 6 ، كتاب الأيمان ، ص 239 . ( 2 ) الخلاف ، كتاب الأيمان ، مسألة 79 .